|
المقدمة
ميّز الله الإنسان على سائر المخلوقات بالعقل. والعقل هو
مركز التفكير. وأياً كانت اللغة أو الوسيلة التي يستعملها الفرد، فهي تنتقل إلى
العقل ليحلّلها ويفسّرها.ولقد ساوى الله بين جميع البشر أن زوّدهم بهذا الجهاز
المدهش، ودعاهم إلى توظيفه في حياتهم، باعتباره أداة للتعلّم تلازمهم طيلة
حياتهم. كما شجّع على التعلّم في كثير من الآيات. " قل هل يستوي الذين يعلمون
والذين لا يعلمون" ونبه إلى القدرات الكبيرة للعقل، الذي لا حدود للمعرفة
لديه: "... وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" ( آية 85، سورة الإسراء)وفي هذه
الآية الكريمة إشارة واضحة إلى أنّ الإنسان لم يستعمل سوى جزء قليل من قدراته
العقلية، وأن المجال أمامه واسع لتعلّم المزيد.كما أنها دعوة عامة لمواصلة
البحث والتعلّم، لا لفئة بعينها، وإنما لجميع البشر في كلّ زمان ومكان.والعلم
لا يتم إلا بالتعلّم . والتعلّم يعني التفكير.والتفكير يقود إلى الإبداع." في
أنفسكم أفلا تبصرون"( آية 21، سورة ذاريات) "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً
وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك
فقنا عذاب النار" ( آية 191، سورة آل عمران)
لماذا يدعونا
الخالق إلى التفكير؟؟وهل هناك إبداع مهما بلغت درجته، يصل إلى إبداع الخالق في
كلّ ما خلقه؟!أليس التفكّر في ما خلق الله دعوة إلى التفكير الإبداعي؟ولما كان
التفكير مطلباً أساسياً في تقدّم الإنسان وتطوّره منذ بدء الخليقة حتى نهايتها،
كان لا بدّ من مواكبته لكل عصر من العصور. وبالتفكير نبني على الماضي ونبتكر من
أجل الحاضر والمستقبل.وإذا ما تأملنا الثورة التقنية العلميّة في عصرنا الحالي،
وفيما واكبها من حاجة ماسّة إلى مواصلة البحث والتقدّم في جميع المجالات، تحتّم
علينا أن نفكّر جدياً في تطوير القدرات المبدعة عند الأفراد منذ المراحل
المبكرة في حياتهم. وهذا الأمر يتطلب تطوير المناهج التعليمية وتحسينها
باستمرار، وأن تتبنى المؤسسات التربوية تنمية مهارات التفكير وتحفيزها
والارتقاء بها لدى جميع فئات الطلبة، باعتبارها وسيلة لتحقيق غايات وأهداف
ملحّة ، لا كأهداف بحدّ ذاتها.كما أن التغيير السريع الذي يشهده العصر الحاضر
ما هو إلا مقدمة لتطوّر أسرع وأشمل، ينتظر عالم المستقبل . حيث ستقوم الآلات
والعقول الإلكترونية بالأعمال الروتينية، وتترك للإنسان الأعمال الابتكارية
والإبداعية. وهذا يتطلب منا أن نراجع أنفسنا، وأن نغير أسلوب تفكيرنا، بحيث
يُؤهلنا إلى التعامل مع علوم المستقبل واكتشافاته وإبداعاته.هناك العديد من
المبدعين على مدار التاريخ. منهم مبدعون في مجال محدّد، ومنهم مبدعون في مجالات
متعدّدة. ومنهم من قدّم إنجازات مبدعة في سنّ مبكرة أو في سنّ متقدّمة. ومنهم
من أبدعوا في الفن أو الموسيقى أو في العلوم والتكنولوجيا.وما نطمح إليه في
عصرنا الحاضر، أن نجعل من التفكير الإبداعي مطلباً عامّاً لا خاصاً. بحيث يشارك
فيه جميع الأفراد في مختلف المجالات، لا أفراد بعدد الأصابع فقط، ليتحوّل
العالم كله إلى خلية نحل نشطة، وسيمفونية خالدة، يشارك فيها كلّ حسب دوره
وقدراته الإبداعية.
لماذا التفكير
الإبداعي؟
كانت الحاجة إلى التفكير الإبداعي ملحة في كل عصر من
العصور الماضية.ولولا المبدعون لما أصبح لدينا هذا الكم الهائل من الاختراعات
والاكتشافات، والإنجازات العلمية والأدبية والفنيّة التي نقشت أسماء مبدعيها في
الذاكرة الإنسانية على مدى العصور.وما أحوجنا في هذا العصر -عصر العلم
والتكنولوجيا والعولمة وتفجّر المعلومات- إلى أن نواكب هذا التقدّم السريع
بالمشاركة الفاعلة في المعرفة والتعلم والإنجاز، لنقدّم للعالم إبداعات خاصّة
بنا، وناتجة عن أعظم ثروة نمتلكها ، وهي العقل.سمعت في دولة ماليزيا، أن وزير
التربية والتعليم حث طلبة الجامعات على اختراع حاسوب قليل الثمن وخفيف الوزن ،
ليكون بديلاً عن الكتب والقرطاسية التي يستعملها الطلبة في المدارس وتكلف
الدولة مبالغ باهظة سنوياً.إنها دعوة عامة للتفكير والابتكار والإبداع ولا
يتعارض هذا مع من يقول أن الذكاء حقّ طبيعي لكل فرد. وأن الإبداع يمكن أن يكون
جماعياً. كما لا يتعارض حول إمكانية تعليم جميع الأفراد ورفع قدراتهم، ودرجة
ذكائهم إلى أعلى مستوى ولقد دعاني هذا الموضوع إلى تأمّل الآيات الأولى التي
نزلت على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، (اقرأ باسم ربك الذي خلق(1) خلق
الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علّم بالقلم (4) علم الإنسان
ما لم يعلم (5) ) صدق الله العظيم ( آية 1-5 من سورة العلق)." اقرأ " ، تعني
فكّر. فالقراءة لا تعني شيئاً إن لم تكن وسيلة للتفكير والفهم.والقراءة هنا هي
قراءة سمعيّة، تتم عن طريق حاسّة السمع. فالنبيّ محمّد أمّيّ، لا يعرف قراءة
المادة المكتوبة. ولكنه قادر على القراءة السمعيّة التي تحوّلت بها الألفاظ
والعبارات إلى قوالب صوتية وألفاظ مسموعة، يستحيل على غير الأذن أن تستعملها
وتنقلها إلى مراكز الترجمة والتفسير في الدماغ. ثم تُشير الآية الثانية إلى
موضوع خلق الإنسان، والذي يتضمن العقل والحواس، التي بها يستطيع الإنسان أن
يتعلّم.أما الآية الثالثة، فتُظهر الصفة الإلهيّة أي " الأكرم" ، بخلقه الإنسان
على أحسن صورة وأتمهّا .أمّا " الذي علّم بالقلم"، فهذه إشارة إلى أنّ الخالق
العظيم قد طلب من جميع عباده تعلّم القراءة والكتابة. بينما تؤكد الآية
الخامسة، "علّم الإنسان ما لم يعلم"، أن الله سبحانه قد منح الإنسان العقل
والحواس ليتعلّم كلّ ما يريد تعلّمه.يقول الباحثون: إن 95% من الجهد المبذول
للقراءة، يقوم به العقل، أو ما يحصل داخله (أي عملية التفكير). أما الباقي، 5%،
فتقوم به إحدى الحواس التي زوّدها الله سبحانه لعباده. وسواء اعتمدت القراءة
على أي حاسة من الحواس الخمس، فإن الجهد الأكبر لعملية القراءة يقوم به العقل ،
الذي هو مركز التفكير.وإذا أردنا أن نُنشئ جيلاً مُفكراً، علينا أن نُنشئ جيلاً
قارئاً ومحللاً
.3-ماذا نعني
بالتفكير الإبداعي؟
كلنا نذكر
اسحق نيوتن الذي سقطت عليه التفاحة. لو أنه لم يفكّر تفكيراً إبداعياً، لما كان
السباق في اكتشاف قانون الجاذبية. ذلك التفكير الإبداعي، ابتعد به عن التفكير
العادي الذي قد يستخدمه أي شخص آخر، سقط عليه شيء ما من أعلى، واكتفى بالقراءة
السطحية له دون أن يستنتج أفكاراً مبدعة تكون قد تولدت منه . أما نيوتن فقد
تعمق في التفكير الناقد لما حصل، فراح يتساءل، ويحلل، ويُخمّن، ويتحقق… الخ.
إلى أن وصل إلى اكتشافه الكبير الذي تعلمه جميع الطلبة في كل أنحاء العالم.
واستخدمه الملايين حتى وقتنا الحالي، في مجالات الصناعة والبحث والتجارب
العلمية المختلفة.إذاً ، هو لم يكتفِ بـ "ماذا حدث"؟ ، وإنما راح يفكر بـ
"لماذا حدث" ؟ "وكيف حدث"؟ في الحقيقة ، من الصعب تعريف " التفكير الإبداعي"
بكلمات محدّدة. فكما لا نستطيع تعريف الشعر أو الجمال أو العبقرية إلى غير ذلك
من المفاهيم العظيمة، يصعب كذلك تعريف الإبداع، أو التفكير الإبداعي. ولكن ،
ربما استطعنا من خلال النماذج والأمثلة أن نقترب من المعنى ولو قليلاً.
يُعرّف التفكير
الإبداعي بأنه الاستعداد والقدرة على إنتاج شيء جديد. أو أنه عمليّة يتحقق
النتاج من خلالها . أو أنه حلّ جديد لمشكلة ما، أو أنه تحقيق إنتاج جديد وذي
قيمة من أجل المجتمع.
صفات المبدع:-
1- الطلاقة،
أي القدرة على إنتاج أكبر عدد من الأفكار الإبداعية في وقت قصير نسبياً. فالشخص
المبدع لديه درجة عالية من القدرة على سيولة الأفكار، وسهولة توليدها،
وانسيابها بحرية تامة في ضوء عدد من الأفكار ذات العلاقة.
2- المرونة:
ويُقصد بها القدرة على تغيير الحالة الذهنية بتغيير الموقف. وهذه تتجلى لدى
العباقرة، الذين يُبدعون في أكثر من مجال أو شكل، خاصة لدى الفنانين والأدباء
الذين ينجحون في مجالات إبداعية متنوعة، ولا تقتصر على إطار واحد. كالشاعر الذي
يُبدع في كتابة الرواية والمسرحية أو الفن التشكيلي. وهي تلك المهارة التي يتم
استخدامها لتوليد أنماط أو أصناف متنوعة من التفكير، وتنمية القدرة على نقل هذه
الأنماط، وتغيير اتجاه التفكير ، والانتقال من عمليات التفكير العادي إلى
الاستجابة ورد الفعل وإدراك الأمور بطرق متفاوته أو متنوعة
3- الحساسية
للمشكلات، فالشخص المبدع لديه القدرة على رؤية الكثير من المشكلات في
الموقف الواحد. فهو يحسّ بالمشكلات إحساساً مرهفاً. وهو بالتالي أكثر حساسية
لبيئتهِ من المعتاد، فهو يرى مالا يراه غيره، ويرقب الأشياء التي لا يُلاحظها
غيره، كمنظر غروب الشمس أو شروقها، على سبيل المثال.
4-
الأصالة، يمكن تعريف مهارة الأصالة كإحدى مهارات التفكير الإبداعي، بأنها
تلك المهارة التي تستخدم من أجل التفكير بطرق واستجابات غير عادية، أو فريدة من
نوعها ، أي أن المبدع لا يُكرّر أفكار الآخرين، فتكون أفكاره جديدة، وخارجه عما
هو شائع أو تقليدي.
5_ الاحتفاظ
بالاتجاه ومواصلته ، فالمبدع لديه القدرة على التركيز على هدف معيّن، وعلى
تخطي أي معوقات ومُشتتات تُبعده عنه. وهو قادرٌ أيضاً على أن يعدّل ويبدّل في
أفكاره لكي يُحقق أهدافه الإبداعية بأفضل صورة ممكنة وهذه السمات تكاد تكون
عامة لدى معظم المبدعين في أيّ مجال من المجالات المختلفة، سواء في المجال
الفني أو العلمي أو الاجتماعي أو السياسي أو غير ذلك أما
4- ماذا نعني
بالإبداع؟
هل يقتصر
الإبداع على فن أو نشاطٍ معين؟ أم أنه يشمل جميع أنواع الفنون والاختراعات
العلمية والاكتشافات وغير ذلك؟ الحقيقة أنه يمكن للفرد أن يكون مبدعاً في أيّ
مجالٍ من مجالات الحياة. وأن هذه المجالات كثيرة ومتعددة. فهناك الإبداع العلمي
والإبداع الأدبي والثقافي، والإبداع الاقتصادي والإبداع الاجتماعي… إلى غير
ذلك. والإبداع ليس البدعة التي نهى عنها الإسلام. إنه العمل الذي يجد المبدع في
إنجازه سعادة كبيرة، والذي يقضي فيه وقتاً طويلاً و متواصلاً من أجل الهدف
النبيل الذي يخدم به الآخرين أو يُمتّعهم أو يبعث السعادة إلى قلوبهم. إن أيّ
حلّ جديد لمشكلة مستعصية ، يكمن خلفها إبداع ومثابرة وصبر وعمل شاق ومتواصل من
أجل الوصول إليها.وإن أي قصيدة أو لوحة فنية أو قطعة موسيقية، تحمل في ثناياها
إبداعاً مميزاً. وكذلك الأمر في اكتشاف أو اختراع أي أداة أو مادة تخدم البشر
وتسهّل حياتهم اليوميّة.ونحن لا نبالغ لو قلنا إن الإبداع كالذكاء ، يكمن في
قلب كلّ إنسان خلقه الله سبحانه . وقد يلمع فجأة في إجابة ذكية، أو سؤالٍ من
نوعٍ خاص يحمل حلاً مبدعاً لقضية معقدة.والإبداع الحقيقي لا يعني التكيّف مع
البيئة، وإنما أن نكيف البيئة حسب حاجاتنا ورغباتنا. ولكي يكون الإنسان مبدعاً،
فإن عليه أن يحلم أحلاماً خيالية واسعة يعرّف الإبداع بأنه القدرة على
توليد الأفكار واستخدام الإمكانيات وتوظيف الخيال لتكوين أفكار أو أشياء جديدة
غير مألوفة سابقاً. ويشير إلى أن قدرة الأفراد على توليد الأفكار الجديدة تعتمد
على الخبرة السابقة التي تشكل القاعدة بالنسبة لها. ومن ثمّ على القدرة في
تمحيص هذه الأفكار وإعادة صياغتها بحيث تصبح أفكاراً خلاقة وأصيلة، وتتميز
بأنها نتيجة التفكير الإبداعي لأولئك الأفراد فالمعلّم الذي يستعمل أساليب
جديدة وتقنيات جديدة في مساعدة الطلبة على التعلم وعلى الإبداع، يُعتبر معلماً
مبدعاً.وما نحتاجه حقّاً، هو أن يُعيد كلّ معلّم النظر في أسلوبه وفي طريقة
تفكيره، وفي معاملته لطلابه، وبأن لا يكتفي بإعادة وتكرار ما هو معروف لديه
ولديهم. وإنما يحثّهم باستمرار على التفكير والاكتشاف والخلق والإبداع، الذي
يساعدهم على الارتقاء بقدراتهم العقليّة ويزيد من درجة ذكائهم. فالعملية
التعليميّة المطوّرة، أصبحت ضرورة من أهم ضرورات تنمية الثروة البشرية في وقتنا
الحاضر. كما أن استعمال الأساليب المبتكرة التي تخاطب كلّ أنواع الذكاء والحواس
هي التي تمهّد الطريق إلى الإبداع.
5- ما أشكال
الإبداع وما أنواعه؟
هل يقتصر
الإبداع على شكل أو نوع معين؟ لقد قيل إنه توجد أنواع من الإبداع بقدر ما تشتمل
عليه الطبيعة الإنسانية من خصائص جسميه ونفسية وعقلية وانفعالية … الخ.
فالإبداع العلمي يختلف عن الإبداع الفني، كما يختلف الإبداع في المجال الواحد،
حيث تتمايز الأنواع والأشكال المختلفة للإبداع وفقاً لنوع العلم أو نوع الفن.
ويُمكننا إدراج بعض الإبداعات تحت الإبداع العلمي والتقني، والبعض الآخر تحت
الإبداع الفني.هناك بعض الاختلافات التي تنتج عن وجود أو عدم وجود الاستعدادات
والاهتمامات الخاصة في طبيعة النشاط، والمعلومات والتقنيات ووسائل التعبير.أما
في مجال فن العمارة، فيلتقي الإبداع العلمي مع الإبداع الفني. ومن الأمثلة على
الإبداعات العلمية والتقنية، جميع المكتشفات والاختراعات والأبحاث والتجارب
العلمية والتقنية ، سواء كانت بشكل فردي أو جماعي.أما الإبداعات الفنية ،
كالفنون الأدبية، كالشعر والقصة والرواية والمسرحية وغير ذلك، إضافة إلى جميع
أنواع الفن التشكيلي كالرسم والنحت والتصوير. إضافة إلى باقي الفنون الأخرى
المتعلقة بالمواضيع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها. ليس غريباً أن
يشمل الإبداع جميع ما يُمكن أن يُقدّمه الفرد أو الجماعة من أعمال جديدة تتميّز
بالأصالة والذوق الرفيع ، والتأثير في الآخرين. حتى أن المرء يُعبّر عن إعجابه
بها بكلمة : مبدع ، ورائع بطريقة تلقائية.
6-هل هناك
علاقة بين التفكير الإبداعي والذكاء؟
لا شك بأن
العلاقة بينهما عميقة، وتكاد أن تكون ملتحمة. فالمبدع مفكر وذكي. إلا أن
"الإبداع يتصف كذلك بالمثابرة والعمل الجاد لشخص نشيط ومرن وذي فعالية عالية
ولا بدّ من وجود دافعية كشرط أساسي للقيام بأيّ نشاطٍ عقليّ مبدع، كالحماس
والحساسية والانجذاب لما هو غامض، وحبّ السؤال ، والرغبة في التميّز
والخلق..وإن أي عمل إبداعي ، ما هو إلا " عملية شاقة، يقوم بها المبدع لكي
يحتفظ بتكامله الشخصي أو بتكامل مجتمعه.".وإذا كان التفكير الإبداعي يتصف
بقيمته العالية ونتائجه المفيدة للفرد والمجتمع ، فهو إذن يقتصر على استخدام
الذكاء بطرقٍ إيجابية تخدم الشخص نفسه من جهة ، والآخرين المحيطين به والذين
يشاركونه العيش على هذا الكوكب، من جهة أخرى. بينما يمكن استخدام الذكاء بطرق
سلبية.فالذي يفكر بصنع الأسلحة المدمرة، هو شخص ذكي. ولكنه بدلاً من توظيف
ذكائه في إبداع صناعات لفائدة البشرية ورفاهيتها ، نراه قد صنع أدواتٍ
لتدميرها.لذا، فالذي يميّز بين التفكير الإبداعي والذكاء، أنّ الأوّل يقترن
بالقيم الإنسانية والمثل والأخلاق. أما الثاني ، فقد ينحرف عنها أحياناً. وفي
حياتنا اليومية، هناك الكثيرون من الأذكياء الذين يوظفون ذكاءهم في التزوير
والخداع والسرقة وغيرها من الجرائم ، بحيث لا يتركون أثراً يشير إليهم. أما
التاريخ، فهو مليء بالأشخاص الذين وظفوا ذكاءهم بتشويه الحقائق من أجل مكاسب
شخصية أو شهرة واسعة، فدمروا، وقتلوا ونهبوا خيرات غيرهم من الشعوب. وهؤلاء إن
كان التاريخ يذكرهم، فمن أجل أن يستحقوا اللعنة على مدى العصور.في حين أنّ
المفكرين المبدعين الذين قدّموا للإنسانية أعمالاً ذات قيمة عالية، فإن الأجيال
تشكرهم وتقدّم لهم التقدير الذي يستحقونه.
7-هل يقتصر
الذكاء ( التفكير) على شعبٍ دون آخر أو فردٍ دون آخر؟
هذا ما نجيب
عنه فنقول: " ليس هناك شعبٌ أذكى من شعبٍ آخر، كما زعم دعاة العنصرية والفوقيّة
على الدوام، وبنوا أمجادهم على ظلم باقي الشعوب ". يؤكد أنه يمكن تعليم الذكاء
لجميع أفراد الأمة. وأن تعليم الذكاء مساوٍ لتعليم التفكير. ومن أجل ذلك، يجب
إعادة النظر في جميع مناهج التعليم وأساليبه، في عصر تفجّرت فيه المعرفة، لدرجة
أنه يصعب حتى على المتخصص، متابعة ميدان تخصصه. الأمر الذي يُحتّم علينا اختيار
ما هو أساسي لتزويد المتعلم به.كذلك الثروة الحقيقية هي التي تكمن في العقل
وقدرات التفكير ثروة العقول هي الثروة الحقيقية للأمة. فالأمة الذكيّة هي الأمة
التي تفكر. ومثل هذه الأمة قادرة على توفير الحياة الكريمة لأبنائها. وقادرة
أيضاً على درء الطغيان. فالأمة الذكية تلفظ الطغيان متى حلّ بها يمكن لكل فرد
أن يكون ذكياً.فالذكاء مهارة قابلة للتعلّم، وهو حق طبيعي لكل فرد
8 هل يمكن
تعليم التفكير الإبداعي؟
وهذا أمر هام
جداً، إذ لا يجب أن نكتفي بأن نساعد بعض الأفراد على اكتساب مهارات التفكير
العليا، وإنما علينا أن نساعد جميع الأفراد على ذلك.لذا، فإن من الأهمية بمكان
البدء بالنشء، وذلك بإتاحة الفرصة لهم ، لممارسة التفكير الفعّال والمبدع، الذي
يعود عليهم وعلى مجتمعهم، وعلى الإنسانية كلها بالخير، من خلال المناهج التي
يتعلمونها يومياً.فهم بناة المستقبل وقادته ، وبأيديهم المشعل ، الذي ينيرون به
الطرق لمن يسيرون معهم، ولمن يتبعونهم. وهم أيضاً الذين يملكون أدوات التغيير
في كلٍ من مجتمعهم المحلي ومجتمعهم الإنساني.و ينبغي على المدرسة أن تكون
المكان الذي يتمّ فيه تطوير المواهب
هل يمكننا
تعليم التفكير ؟ وكيف ؟ نقول نعم. يمكن لكل فرد أن يكون ذكياً. فالتفكير مهارة.
أي أنه قابل للتعلم والاكتساب. وتعلم التفكير هو تعلم الذكاء، وإن التربية هي
طريق الأمة لرفع درجة ذكائها ، إن التفكير مهارة، ومن ثمّ فإنه قابل للتعلم.
9- ما أهمية
تعليم مهارات التفكير؟
قال الفيلسوف
ديكارت : " أنا أفكر ، إذن أنا موجود ". وكأنه أراد أن يقول بكلمات أخرى ، إن
الذي لا يفكر هو شخص غير موجود. ولذا ، ربط التفكير وأهميته بالوجود، أي
بالحياة في هذا العالم. تُعرّف مهارات التفكير الإبداعي بأنها تلك المهارات
التي تمكّن المتعلم من توليد الأفكار والعمل على انتشارها ، واقتراح فرضيات
محتمله، كما تساعده على دعم الخيال في التفكير ، والبحث عن نواتج تعلم إبداعية
جديدة وتكمن أهمية تعلّم مهارات التفكير بأن على كلّ فرد أن يفكر ليتعلّم ويفهم
ويطبق ما يفهمه في حياته. والتفكير يبدأ لدى لأطفال في سنّ مبكرة، أي أنه يبدأ
مع الطفل منذ نشأته في المنزل، قبل وصوله مرحلة المدرسة.والطفل الذي يجد
الرعاية الكافية والمناسبة في سنواته الأولى، يكون مهيأً للإبداع في واحدة أو
أكثر من مجالات الإبداع المختلفة، لدى نموّه السؤال المطروح، ما أهمية تعليم
مهارات التفكير؟ نرد على ذلك بأن المتغيرات السريعة، وتدفق المعلومات التي لا
حدود لها في عصرنا الحالي، تدعونا جميعاً لأن نُفكر بطرق وأساليب جديدة، تتواكب
مع هذه المتغيرات والمستجدات . والتي تُشير إلى الحاجة الماسّة إلى المبدعين،
لا على مستوى الأفراد فحسب، وإنما على المستوى العام. خاصة وأن غالبية علماء
النفس والباحثين التربويين، أصبحوا يُسلّمون بأن القدرة على التفكير الابتكاري
شائعة بين الناس جميعاً. وأن الفرق بينهم، يكمن في درجة أو مستوى هذه
القدرات..لذا ، فإن تعليم مهارات التفكير يُعتبر ضرورة مُلحّة، وحاجة أساسية من
حاجات كلّ فرد، كحاجته إلى الماء والهواء والغذاء. وكما أن الفرد بحاجة إلى
تعلم مهارات القراءة لكي يقرأ ويفهم ويتعلم بنفسه، وإلى تعلم مهارات الكتابة
ليعبر عن أفكاره بنفسه، وإلى تعلّم مهارات القيادة ليقود سيارته بنفسه، فهو قبل
كلّ ذلك، يحتاج إلى تعلّم مهارات التفكير ليفكر بنفسه، وليحلّ مشاكله الحياتية
بنفسه.ليس هذا فحسب ، فهي تساعده على المشاركة في صنع القرار، كما تساعده في
تحديد الأولويات والبدائل ، والمشاركة في وجهات النظر عن طريق طرح الأفكار
والآراء أثناء الحوار والمناقشة . والأهم من ذلك، أنها تهيئ الفرد للتكيف مع
المتغيرات الضرورية للانخراط في العمل والحياة داخل مجتمعه الخاص والمجتمع
الإنساني، على حدّ سواء. كما تُهيئه للقيام بالأدوار القيادية والنجاح فيها.
وتُساعده على التفكير المستقل، وعلى السرعة في التفكير، وعلى استقبال أفكار
الآخرين وفهمها وتقبلها أو مناقشتها بطريقة علميّة ومنطقية، بحيث يتقبلها
الآخرون بعقول متفتحة.
10هل
للوراثة والبيئة تأثير على الإبداع؟
يعتقد بعض الباحثين أن الأثر الكبير على الذكاء يكمن في
البيئة، أي التربية. وبما أن العلاقة بين الذكاء والإبداع علاقة متينة، إذن فما
ينطبق على الذكاء ينطبق على الإبداع.وهناك من يعتقد أن للوراثة أثراً كبيراً
على الإبداع، بدليل أن هناك العديد من الأطفال يُبدعون في المجالات التي ُيبدع
فيها آباؤهم وأمهاتهم.
وسواء كان للوراثة أو للبيئة تأثير على الإبداع، فإن ما
يهمنا هو ما نستطيع أن نوفره للشخص لكي يصبح مُبدعاً، أو ليطوّر إبداعاته.فمما
لا شكّ فيه أن التفكير الإبداعي يحتاج إلى بيئة مشجعة ومحفزة، سواء ورث الطفل
ذلك أم لم يرثه. وهناك مقولة، تؤكد ، بأن في قلب كل فرد روحاً مبدعه. فإذا ما
توفرت البيئة الملائمة، والمشجعة على الإبداع، فإن تلك الروح تتألق وتزدهر.ومن
أجل ذلك، فإن الأطفال بحاجة لأن تكون البيئة المدرسية والأسرية، غنيّة بكل ما
يحتاجونه، وبكل ما من شأنه أن يدفع بهم إلى النمو نفسياً وعقلياً وجسدياً
ووجدانياً واجتماعياً، ليبدعوا في واحدة أو أكثر من مجالات الإبداع المتعدّدة.
وهم يحتاجون بشكل خاص، إلى نظام مدرسي يُعطي معلميهم
مساحة كافية من الحرية، التي تسمح لهم بالطلاقة في التفكير، وبإجراء التجارب،
وبالتأمل، وبالمطالعة الحرة، وبإعداد البحوث والدراسات، وبالاكتشاف، وباللعب ،
وبالاستمتاع بقراءة الشعر وممارسة الرسم والكتابة الإبداعية، وبتبادل الأفكار
والآراء عن طريق النقاش الهادف والعصف الفكري، الذي يُحوّل الأطفال إلى شعلة
من النشاط الذهني المتوقد، والعيون البرّاقة، والقلوب السعيدة أثناء مشاركتهم
الفاعلة في جميع الأنشطة والأعمال المدرسية التي يقومون بها برغبة ومحبة.إن
أفضل أساليب التعلّم هي أن يشعر الطفل بأنه يحبّ كل عمل يقوم به، وكل شخص
يشاركه في ذلك العمل". وسواء كان الطفل مبدعاً بالوراثة أم بتأثير البيئة، فلا
بدّ له لكي يستمرّ ويطوّر تفكيره الإبداعي، من بيئة ثرية تشحن قدراته وترتفع
بها إلى الأعلى. " فالمطلوب في هذا العصر مبدعون ومبتكرون ومكتشفون، وأناس
لديهم القدرة على التخيّل وسرعة التغيير
11- هل هناك
علاقة بين الإبداع والقيادة؟
.تعريف
العبقرية لا يميزّ بين الإبداع والقيادة. فحين نضع أشهر المبدعين وأشهر القادة
تحت الفحص، فإن ذلك الفرق بين الإبداع والقيادة يختفي، لأن الإبداع يُصبح شكلاً
من أشكال القيادة. فالمبدعون هم قادة ثقافيون.وقد كان لأفكار آينشتاين النظرية
تأثيرها البالغ على زملائه من علماء الطبيعة بشكل خاص، وعلى المجتمع العلمي
بشكل عام فالمبدعون المشهورون، هم قادة في الشؤون الفنية والعلمية ونحن لو
استعرضنا الإنجازات التي قدّمها المبدعون على مدار التاريخ، لأدركنا تأثيرها
المباشر وغير المباشر على الأجيال المتعاقبة جيلاً بعد جيل. حتى أننا نكاد
نراهم ونسمعهم ونتمثلهم أمامنا. وسواء كان هؤلاء الأشخاص مبدعين في المجال
السياسي أو الفني أو العلمي أو غير ذلك، فإن تأثيرهم علينا يظلّ كبيراً. وأهم
ما يميزّ هؤلاء المبدعين، أنّ تأثيرهم لا يقتصر على شعب دون آخر، وإنما يمتدّ
ليشمل جميع شعوب العالم.
ولو تتبعنا
التاريخ، لعرفنا كم كان للعرب تأثير على الثقافة الأوروبية في مجال الطب والفلك
والرياضيات وغيرها من الفنون. وفي الوقت نفسه، تأثرنا نحن العرب بالإنجازات
التي حققها مبدعون عالميون من شعوب أخرى. وأيّ إنجاز يُقدَّم للبشرية ويجري
تعميمه، يتحوّل إلى فكر أو علم أو فن، يمتزج في العقل الإنساني للفرد، حيث
يتحول إلى جزء حميم من فكر وعلم وثقافة ذلك الفرد.
وأي اختراعٍ
مبدع، يتحوّل إلى أداة يستخدمها الآخرون، أو يقودهم إلى تطويره والبناء عليه في
مزيد من الاختراعات التي تخدم البشرية كلها.وليس غريباً إذن أن يُعتَبر
المبدعون قادة الحاضر والمستقبل، للأجيال المتعاقبة. وكلما كان إنجازهم أكثر
أهميّة، كان حضورهم أكثر تأثيراً.
12- الإبداع
الفردي والجماعي:
هل يقتصر
الإبداع على الفرد دون الجماعة؟لقد كان المفهوم سابقاً بأن الإبداع يكون فردياً
لأن الذي يقوم به فردٌ واحدٌ.أما فيما بعد، فقد تغير هذا المفهوم، خاصة في مجال
البحث العلمي. حيث أنه يمكن لمجموعة من المبدعين إنجاز اكتشافات أو اختراعات
قدّموها معا،ً بجهودهم وأفكارهم وبالتعاون فيما بينهم.
كما يُمكن
لمجموعة من الفنانين التشكيليين أن يشتركوا في إنجاز جدارية ضخمة. وهكذا.إذن،
فالإبداع يُمكن أن يكون فردياً كما في الشعر، أو جماعياً، بحيث يشارك فيه
مجموعة من الأشخاص المبدعين كعمل مشترك، كما في الهندسة أو الفن التشكيلي أو
الأبحاث الطبية. وقد يُشارك فيه عدد كبير من الأشخاص، كما في العروض الرياضية
13- هل للسن
تأثير على الإبداع؟
اخترع باسكال
آلة حاسبة وهو في الثامنة عشرة من عمره والإبداع يمكن أن يحصل في فترات عمرية
واسعة، فهو قد يبدأ من الخامسة عشرة أو أقل، ويمتّد إلى التسعين. إذ لا توجد
حدود معينة في ذلك . وأفضل مثال على ذلك الفنان الإسباني الكبير بابلو بيكاسو،
الذي واصل نشاطه الإبداعي في الفن التشكيلي إلى ما بعد التسعين، وتشير معظم
الدراسات والأبحاث إلى أن سمات الإبداع تظهر لدى الأطفال قبل المرحلة الثانوية.
ثم تقوى وتزدهر في المرحلة الجامعيّة فلابد من الاهتمام بالطفولة المبكرة،
وذلك بأن يبدأ التعليم قبل السن المدرسي. خاصة تعليم اللغات والمهارات اليدوية
الدقيقة. كما يدعو إلى استخدام أساليب مبتكرة تخاطب كلّ أنواع الذكاء وكل حواس
الطفل وعواطفه. وذلك من أجل التمهيد لتنمية قدراته على الإبداع والانطلاق بها
فيما بعد.وفي ضوء ما تقدّم، يتضح أن هناك مجالات يبدأ فيها الإبداع لدى الأفراد
في سن مبكرة، وقد يستمر إلى سن متأخرة أو لا يستمرّ. بينما هناك مجالات يظهر
فيها الإبداع في سن متأخرة، خاصة في المجال السياسي.
وما يهمنا نحن،
أن ننمي الإبداع لدى جميع الأطفال من خلال برامج تعليميّة تحفزهم وتتيح لهم
فرصة الإبداع في المجالات المختلفة، وذلك بإثراء البيئة التعليميّة/ التعليمية،
وبتطوير المناهج، بحيث تلبي حاجاتهم وتقوّي دافعيّتهم للبحث والاكتشاف، وتنمي
مواهبهم وتصقلها وتفتح لهم باب الخلق والإبداع على مصراعيه.
14- التفكير
الإبداعي والأخلاق
هل يرتبط
التفكير الإبداعي دائماً بالأخلاق؟ الجواب ، نعم. فالتفكير الإبداعي يرتبط في
جميع الحالات بالقيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية. فاكتشاف الذرة مثلاً، عمل
إبداعي دون أي شك. خاصة إذا جرى استعمالها في المجالات التي تخدم الإنسانية
وتُساعد على رفاهية البشر وسعادتهم. أما إذا استُعملت لتدميرهم، فإنها تُعتبر
عندئذٍ عملاً ذكياً، لكنه لا أخلاقيّ. ومثل ذلك اكتشاف الديناميت. فهو قد
يُستعمَل لتفتيت الصخور من أجل استعمالها في بناء المنازل السكنية والمدارس
والمصانع والمستشفيات، ولكن إذا استُعمل لتدمير هذه المنشآت، فإنه يُصبح عملاً
ذكياً لا أخلاقياً.وما نحتاجه في زماننا الحالي، هو الكثير من التفكير الإبداعي
المرتبط بالأخلاق، وبالقيم الإنسانية، في جميع المجالات. فأي اكتشافٍ أو اختراع
غير مرتبطٍ بهذه الأخلاق والقيم، قد يؤدي إلى نشر الأوبئة وتدمير البيئة والقتل
الجماعي للشعوب.ومن أهمّ الشخصيات الخالدة على مدى التاريخ، ممن كان لهم أثر
عالمي، سواء كان ذلك الأثر علميّاً أم فنياً أم سياسياً أم دينياً. وقد كان على
رأس القائمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فأثره لا زال عميقاً متجدداً، ليس
فقط على العرب والمسلمين، وإنما امتد ليشمل الناس كافة .ليس غريباً أن تشمل
القائمة عدداً كبيراً من المبدعين في العلوم كإسحاق نيوتن وألبرت أينشتين
ومايكل فرادي وغيرهم. وفي الأدب كويليام شكسبير وفي التاريخ كعمر بن الخطاب
الذي ساعد بذكائه وعبقريته على نشر الإسلام وتمكينه من البلاد الأخرى لقد أصبح
الربط بين التفكير الإبداعي والأخلاق مهمّة عالميّة، لا تقتصر على دولة دون
دولة، أو شعبٍ دون شعب . وإنما يجب على جميع دول وشعوب العالم، أن تتنبّه إلى
ضرورة التخلص مما هو ضار ومؤذٍ بالنسبة لها أو لغيرها. والى تحويل أية اختراعات
أو اكتشافات إلى ما هو مفيد لها ولغيرها. وبهذا يتجنب الجميع الكوارث والمآسي
التي قد تُسببها تلك الاكتشافات والمخترعات.
15- الإبداع
والتربية
هل للتربية أثر
على الإبداع؟ إنّ التربية الحاقة هي التي تقود إلى الإبداع، خاصة إذا أخذنا
بعين الاعتبار دورها الفاعل في تربية التلاميذ والطلبة كلهم، انطلاقاً من
المقولة التالية:" إن تربية الإبداع ممكنة لأي شخص طبيعي عادي من وجهة نظر
عقلية. وتوجد اليوم براهين كثيرة على أن أي شخص عادي يُمكن تطوير الإبداع لديه
بقليل أو كثير ، بهذا الاتجاه أو ذاك ونحن حين نذكر التربية، فإننا نعني بذلك
التربية الشاملة للفرد عن طريق المؤسسة التربوية والبيت والمجتمع. إذ أن جميع
هذه الجهود، يجب أن تتضافر جميعها، وأن تنصهر معاً لتُشكّل قوّة الدفع لأي طفلٍ
أو فردٍ في تنمية قدراته والانطلاق بها إلى أقصى درجة .
16-
ما هي معوّقات التفكير الإبداعي
·
يعتقد البعض أن الافتقار إلى الصحة النفسيّة
أو الجسدّية واحدٌ من معوّقات التفكير الإبداعي، وحتى التفكير العادي. حيث
ينصبّ تفكير الفرد على نفسه وعلى حاجته للعلاج. وهناك من يعتبر أن للمناخ
الطبيعي أو البيئة التي يعيش فيها الفرد أثراً سلبياً عليه، إن لم تتوفر فيهما
الشروط اللازمة لتنمية مهارات التفكير لديه.
·
كما أن هناك من يعتقدون أن الوضع الاقتصاديّ
أو الاجتماعيّ المتردي، من أهم معوّقات التفكير الإبداعي. وكذلك الحياة في ظلّ
القمع وعدم الاستقرار والإحساس بالأمن.
·
أما حالات الرعب والقلق، فهي وحدها تؤدي إلى
الارتباك والضغط النفسي.كلّ هذه الأمور أو حتى بعضها، كفيل بأن يؤدي إلى عدم
التركيز، وإلى التشتت الذهني للأفراد والجماعات.
·
كما أن هناك عقبات تواجه التفكير الإبداعي مثل
التربية التقليدية السلبية، التي لا تسمح بالاطلاع على ثقافات الآخرين وجهودهم
العلمية والأدبية والفنية. ولا تتيح الفرصة لأبنائها للتفكير النشط والإبداع في
المجالات المختلفة .
·
وأحياناً تكمن مثل هذه العقبات في الشخص نفسه، خاصة إذا اتصف بالكسل والخمول
أو الشعور بالنقص، والاعتقاد بالأفكار والآراء البالية، وضعف الثقة بالنفس،
والافتقار إلى المرونة، وضعف الحافز الذاتي، وضعف الحساسية نحو المشكلات
والمواقف المختلفة، أو الانشغال الزائد في الأعمال الروتينية المملة. الأمر
الذي يساعد على إضعاف الروح الإبداعية، وربما العمل على قتلها ،
وهناك من هم
على عكس ذلك تماماً، ممّن يعتقدون أن التفكير الإبداعيّ ينبع من قلب الظروف
الصعبة ، التي تجعل الفرد المبدع قادراً على ابتكار الأساليب والوسائل للتخلص
من تلك الظروف، أو للتكيّف معها بطرق مدهشة .وعلى سبيل المثال، حين أصيب رون
هبارد بالشلل التام وشبه العمى، قرّر أطباؤه أنه حالة يائسة لا يُمكن شفاؤها.
وبأن الشيء الوحيد الذي ظل سالماً من جسده هو عقله. رفض رون هبارد الاستسلام
لتقارير الأطباء، وراح يُفكر بالطرق التي تساعده على الشفاء من مرضه واستمرّ في
القراءة والبحث ( رغم ضعف نظره الشديد)، إلى أن استطاع أن يساعد نفسه على
الشفاء من العاهتين المستعصيتين: الشلل، وضعف النظر.وهو لم يكتفِ بشفاء نفسه
فحسب، وإنما ساعد الكثيرين من الأشخاص على الشفاء من حالات مشابهة وهناك العديد
من الحالات التي يُبدع فيها ذوو الإعاقات الجسدية، مُتحدّين إعاقاتهم ومُركّزين
على مجالاتٍ يُبدعون فيها. إذن ، ما السرّ وراء ذلك؟ نحن نقول عادة: الحاجة أمّ
الاختراع. إذن حيثما تكون هناك حاجة مُلحّة لاختراع شيء ما يساعد على
تلبيتها،أو حيثما يشعر بعض الأفراد بأن لديهم القدرة والرغبة لسدّ تلك الحاجة،
يكون هناك إبداعٌ حقيقيّ.
وفي الوقت
نفسه، إذا توفرت البيئة الغنية لجميع الأفراد لأن يُوظّفوا مهارات التفكير
لديهم، وإذا وجدوا التشجيع والحوافز والمكافآت والتقدير، سواء كان ذلك بطريقة
مادية أو معنوية، فإن ذلك يشحذ تفكيرهم إلى أقصى درجة، ويدفعهم إلى اكتشاف
وإنجاز واختراع ما لم يكن يخطر لهم أو لغيرهم على بال .وحيث أن حاجتنا لا تقتصر
على بضعة أفراد فحسب ليتفوّقوا في بعض مجالات الإبداع ، وإنما إلى شعبٍ مُبدع
ومُفكّر فلابد أن نُهيئ البيئة التي تُساعد على الإبداع لكلّ من الأطفال
والراشدين، على حدّ سواء.
17- الشخصية
المبدعة
هل هناك
مواصفات خاصة بالشخصية المبدعة؟
·
ذكرنا سابقاً أن الذكاء مرتبط بالإبداع . إذن
فالمبدع شخص ذكي.
·
كما ذكرنا أن الإبداع مرتبط بالقيم والأخلاق.
إذن فالمبدع شخص يتحلى بالأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية.
·
كما ذكرنا أن الإبداع يحتاج إلى العمل الدؤوب
المتواصل. إذن ، فالمبدع شخص نشيط ومثابر، وهو كذلك ذو ثقة عالية بنفسه، يتحمل
المسؤولية، ويبحث دائماً عمّا هو جديد.
·
كما أنه يبتعد عن التقليد والمحاكاة، ويبتكر
ما هو أصيل.والمبدع شخص خلاّق بالمعنى الدقيق للكلمة. قد يستفيد من تجارب
الآخرين، إلا أنه يُضيف إليها من ابتكاراته الخاصة.
وهو عنيد
ومغامر. يحلم ، ويعمل جهده على تحقيق أحلامه. وهو دائم التفكير ودائم العمل،
ولا بثنيه عن الوصول إلى أهدافه أي عائق مهما كان.
18- خلاصة
كل فرد منا
يولد مزوّداً بدماغ إلكترونيّ حيّ، ذي إمكانات لا حدود لها. وكل اختراع أو
اكتشاف، ما هو إلا نتيجة لدراسة تأمليّة من أحد الأفراد أو مجموعة من الأفراد
الذين لهم القدرة على الإبداع. أما السّر الحقيقيّ، فإنه يكمن في التربية.
فالذين أبدعوا ، تعلموا مُسبقاً كيف يُفكرون. وهذا مكمن الإبداع .
وإذا اجتمع
الذكاء مع القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية، فعندئذٍ فقط، تتحقّق العدالة
والحرية والسلام والسعادة لجميع البشر.ولأهمية الأخلاق في حياتنا جميعاً، خاطب
الخالق سبحانه النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، قائلاً: " وإنك لعلى خلقٍ
عظيم". صدق الله العظيم. ( آية 4 سورة القلم). وهذا ما يجدر بنا جميعاً أن
نتّصف به والإنسان المبدع، هو الإنسان الذي يجد سعادة كبيرة في تقديم إنجازاته
للآخرين، كهدفٍ نبيلٍ يخدمهم به أو يُمتّعهم ويبعث السعادة إلى قلوبهم.
والإبداع لا يقتصر على مجالٍ محدّد، وإنما يشمل جميع مجالات الحياة. وهذه
المجالات كثيرة ومُتعدّدة، منها الإبداع العلمي والتقني والفني والأدبي
والثقافي والاقتصادي والاجتماعي إلى غير ذلك.وإن أي حلّ جديد لمشكلة مُستعصية،
يكمن خلفها إبداعٌ ومثابرةٌ وصبرٌ وعملٌ شاقّ ومُتواصل، من أجل الوصول إليه
وتحقيقه.وما أحوجنا في هذا العصر، إلى أشخاص مُبدعين، لحلّ الصراعات الدامية
التي تسود الكرة الأرضية، من أقصاها إلى أقصاها. وما أحوجنا إلى عقول مُبدعة،
19-
الاقتراحات والتوصيات:
لكي نساعد
أطفالنا وشبابنا على الارتقاء بقدراتهم وإمكاناتهم الإبداعية إلى أعلى درجة،
ولكي نساهم في تربية جيل متميّز يستطيع أن يخطو نحو المستقبل بخطوات واثقة،
فإنني أتوجه إلى أولياء الأمور وإلى المربين وإلى مؤسساتنا التربوية والوطنية،
بالاقتراحات والتوصيات الآتية:
1-استخدام
الطرق المبدعة في عملية التعليم/التعلم لجميع المراحل، ابتداء من رياض الأطفال
حتى طلبة الدراسات العليا. بحيث يتم التركيز على تعلم المهارات من أجل
المستقبل.
2- إتاحة
الفرصة لجميع فئات الطلبة لمعرفة: كيف يُفكرون وكيف يتعلمون وكيف يستمتعون بكل
ما يتعلمونه، وكيف يُطبقون أساليب تحسين الإبداع وأساليب العصف الذهني واستثارة
التفكير الناقد والتفكير الإبداعي. ومن ثمّ مكافأة السلوك الإبداعي للطلبة،
وإعلان ذلك في وسائل الإعلام.
3-حث الطلبة
على ممارسة مهارات القيادة ،واستراتيجيات التفكير الناقد، والتفكير الإبداعي.
وذلك عن طريق تفعيل مهارات التفكير من خلال أساليب التدريس ودمج التفكير في
جميع البرامج المدرسية.
4- تشجيع
الطلبة على استخدام مهارات القراءة ، والأساليب الفعّالة في التعلم الذاتي
المستقل، و استخدام جميع أنماط التكنولوجيا المتوفرة التي تُساعدهم على التعلم
مدى الحياة.
5- استمرار
تطوير المناهج من أجل تعليم التفكير، وإمكانية الجمع بين استراتيجيات التفكير،
والتفاعل مع العديد من المواقف الحياتية
6- ضرورة
الاهتمام بعمليتي القراءة الإبداعية والكتابة الإبداعية، لأنهما من أعقد
الأنشطة العقلية. إذ تتطلب كلٌّ منهما: التمييز السمعي والبصري، حلّ المشكلات ،
والتقويم ، وإصدار الأحكام، والتخيّل والاستنتاج، وتوظيف اللغة في مواقف جديدة،
للتعبير عن أفكار جديدة، خالية من الأخطاء الإملائية، وغير ذلك مما يتعلق
بالنحو والصرف وقواعد اللغة.
7- خلق بيئة تُشجّع على التفكير الناقد، وتخصيص وقت
للمناقشة. وإعداد الطلبة ليُصبحوا أصحاب قدرة كبيرة على التفكير الناقد،
والقراءة الناقدة.
8- إعداد برامج تثقيفيّة، وبثّها في وسائل الإعلام
المرئية والمسموعة، يتّم التركيز فيها على ممارسة التفكير الإبداعي، وعلى تعزيز
المثل العليا والقيم الإنسانية والأخلاقية، التي يكتسبُ منها الصغار والكبار
مهارات التفكير الإبداعي والسلوك الجيّد.
|